المنجي بوسنينة

236

موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين

علمه وورعه وكثرة دعائه وبكائه » . كما دافع أبو العبّاس عن شيخه ، عندما اتّهمه البعض بأنّه ادّعى سماع موطأ مالك من ابن بكير . وكان له رحلة إلى الشّرق زار خلالها مصر وغيرها والتقى هناك بأبي إسحاق بن شعبان ( ت 355 ه / 966 م ) وغيره من العلماء . طول عمره ( حوالي القرن ) جعله يعاصر نصف قرن من العهد الأغلبي ونصف قرن من العهد الفاطمي . ساهم ذلك أيضا في تعدّد تلاميذه الّذين كانوا ينتمون إلى طبقات مختلفة . روى عنه الأصيلي ، وأبو الحسن اللّواتي ، وعمرون بن محمد ، وعبد اللّه بن أبي زريق ، وسعيد بن ميمون ، وعيسى بن سعادة ، وأبو القاسم بن زيد ، وأبو علي حسن بن محمد التّونسي ، وابن أخي هشام ، وابن أبي زيد ، وأبو الحسن القابسي وغيرهم . ساهم طول عمره أيضا في سعة اطلاعه على أخبار عدد من علماء إفريقيّة . فرغم أنّه لم يعرف الإمام سحنون بصفة مباشرة ، فقد مكّننا من أخبار طريفة تخصّ ذلك الإمام . وقد نقلها المالكي والقاضي عياض . مكّننا أيضا من أخبار تخصّ خديجة بنت سحنون ، وأخرى تهمّ أبا داود العطّار الّذي كان « مختلطا بأهل دارسحنون » . وفي كلمة يعتبر أبو العبّاس من أهمّ رواة أخبار عدد من علماء إفريقيّة . وقد كان محلّ ثقة في ذلك . لهذا السّبب وغيره وصفه المالكي بأنّه كان « شيخا ثقة مأمونا » . وفي شخصيّة ذلك الشّيخ ، يمكن التّمييز بين أبي العبّاس الفقيه ، وأبي العبّاس المتزّهد . فقد كان يعيش على الأرجح في ضيعته بإبيانة حيث يتعاطى خاصّة زراعة الحبوب . وكان يتردّد على مدينة تونس للتّدريس والإفتاء . وقد ذكر الشّيرازي أنّ « أهل بلده » قد تفقّهوا به . ومن الممكن أنّ ميله إلى مذهب الشّافعي ، ساهم في صقل شخصيّة المدرسة المالكيّة التّونسيّة . هذه المدرسة الّتي تميّزت في جوانب عن المدرسة المالكيّة القيروانيّة . ومن الممكن أيضا أنّ ميله إلى ذلك المذهب ساهم كذلك في تفضيله الإقامة خارج القيروان ، قلعة المذهب المالكي . كان أبو العبّاس « يتّخذ للبادية ثيابا لا يلبسها للحاضرة ، وثيابا للحاضرة لا يلبسها للبادية » . وكان يتزيّن ويتطيّب . وكان غذاؤه نصف حجلة تثرد له في نصف خبزة . وهذا يعني أنّ ظروف عيشه كانت ميسورة على الأقلّ جزئيّا . كانت مشيته مشية فقيه كما كان « يقال له الفقيه » ، فيردّ : « لقب لقّبنا به » . وكان يحبّ المذاكرة في العلم ويقول : « دعونا من السّماع ، ألقوا علينا المسائل » . لهذا السّبب كان متضلّعا في المسائل وقد شهد له بذلك أبو الحسن القابسي : « ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العبّاس . وكان يفصل المسائل كتفصيل الجزّار الحاذق للحم » . كان متمكّنا بصفة خاصّة من مسائل البيوع مثل ابن القاسم وسحنون . فقد ذكر اللواتي أنّه قرأ على أبي العبّاس في واضحة ابن حبيب صدرا من كتاب البيوع . فقال له : « بقي من الكتاب حديث كذا ومسألة كذا » . « فنظرنا ، فلم نر شيئا . ثمّ تأمّلنا فإذا ورقتان قد التصقتا . . . فعجبنا من حفظه » . في هذا الإطار يمكن فهم ما ذكره المالكي عند حديثه عن أبي العبّاس . قال : « كان فصيحا عالما بما في كتبه حسن الضبط جيد الاستنباط » .